- الجوار: من أمام بيته وسط الاوحال يقف عودة خصاف مغتماً بسبب ما حل بمياه الاهوار العراقية التي غاضت وانتهت منذ عام 1991 عبر المصارف المائية التي اقيمت في عهد صدام حسين لمعاقبة السكان العرب في تلك المناطق.ومنذ الازل كانت تلك السبخات الشاسعة نعمة لاهالي المنطقة المجاورة الين يتجاوز عددهم نصف مليون مواطن هناك اضافة الى نحو مليوني انسان كانوا يستفيدون من تلك المياه لسد حاجاتهم اليومية.
وبعد حرب الخليج تلاشت تلك الثروة المائية نهائيا تقريبا ولكنها بعض مضي ست عشرة سنة عادت اليوم لتتجمع كسابق عهدها قبل نظام صدام، وبحلول عام 2007 كان حوالي ثلثي المياه السبخية قد تجمع لتعود حاليا وتتلاشى لكن لسبب آخر يتمثل بالجفاف والسياسات المائية الخاطئة في الدول المجاورة وهي ايران وتركيا وسورية فهذه الدول تتحكم بمصادر المياه الثلاثة: الفرات ودجلة وقارون التي تغذي السبخات بالماء.
وقال عودة، وهو شيخ احدى القبائل بمنطقة العقيرية السبخية ان ذلك يحدث مرة في كل جيل، لكن ان يتكرر مرتين فهي غضب السماء على البشر، وهو يرى ان ذلك ربما ترجمة للنبوءة التي اعتبرت قديما ان جفاف المياه احدى علامات قيام الساعة، اما هذه المشكلة الجديدة فيعتقد الكثيرون انها ستؤثر في حياة قرابة مليوني عراقي على الاقل، ولاسيما بسبب عدم توافر الطاقة الكهربائية في المنطقة لاستخراج المياه من الآبار الارتوازية العميقة جدا.
المهندس زهير حسن أحمد موظف في المركز الوطني للادارة المائية في بغداد وأشرف منذ عشرين عاما على الثروة المائية في حوض الفرات ودجلة والخريطة التي رسمها بخط يده تظهر خطوط توزع المياه بين شهري اكتوبر ومايو عموما وقد اطلعنا كيف ان«مستوى المياه بدأ ينحدر بحدة منذ سنة 2007».
في مدينة بغداد خاصة يظهر نقص المياه ضاغطا على الجميع لما يمثله من مخاطر فمياه الصرف الصحي والقاذورات التي تضخ الى نهر دجلة لا تجري بالسرعة المعتادة، وهذا النهر الذي كانت القوارب وحتى السفن تعبر فيه اصبح في هذه الايام شحيح المياه جدا ويصعب استخدامه هكذا، ولكن المشكلة المائية تتخذ شكلا اسوأ من ذلك اذا ابتعدنا اكثر الى حوض الفرات الشاسع، هنا تتبدى نذر الكارثة المقبلة بصورة جلية.
بين النهرين
في هذه المنطقة بين النهرين والتي كانت تشكل صميم بلاد ما بين النهرين قديما، تفعل الازمة المائية اليوم فعلها مدمرة الحياة الزراعية التي لاتزال تناضل بقوة لاستعادة مجدها بعد ثلاثين سنة من الحروب والحرمان هذه المنطقة هي ثاني منطقة تتم مناقشتها «بعد منطقة الاهوار«باعتبارها معروفة كجنة عدن نظرا لخصوبتها الكبيرة ووفرة مياهها واليوم لم تعد الامور كذلك، وسنة بعد سنة تشهد مواسمها من القمح والشعير والخضراوات والتمور فشلا واضحا، وبالانتقال غربا حيث منطقة الانبار تشاهد تنوعا في محصول الارز الذي كان يباع كأجود الانواع داخل العراق وأسواق الدول المجاورة، لكن الموسم الماضي كان أشبه بكارثة.
وقال حاتم الانصاري، هو مزارع للارز في اقليم الانبار» نحن نضع اللوم على الاتراك، وقد خسر قرابة نصف مدخرات أسرته كلها منذ مطلع العام 2009 نتيجة لشح المياه».
وأضاف الانصاري «دأبنا على حفر الآبار الارتوازية هنا الاهالي والحكومة معا، لكنها غيركافية واذا نزلتم لمعاينة ضفة النهر- قال وهو يشير الى الفرات ويغطي وجهه بكوفيته اتقاء للغبار الكثيف- ستلاحظون الفارق بين مستوى مياه النهر بين الان والسنة الماضية اليوم لم تعد المضخات تصل الى الميا، صحيح ان السماء لم تمطر هذه السنة لكن حين يفيض النهر فانه يعوض عن ندرة المطر وبالفعل كانت الاثار واضحة لاسيما على الارض الجافة التي تحمل تربتها العواصف حتى تضايقنا جدا منها وحرمتنا من معاينة ضفة النهر.
العواصف الرملية في العراق ظاهرة معروفة خلال الصيف وتحدث بمعدل ما بين ثماني مرات الى عشر مرات لكنها هذه السنة أشبه بالكارثة المقيمة ان قرابة أربعين في المئة من العواصف الرملية تهب خلال الاشهر الخمسة ما بين مايو ومطلع أكتوبر بعضها يستمر ثلاثة أيام، فتغطي المزارع بطبقة من الغبار الناعم ويضطر العراقيين الى اغلاق المطارات مضيفة بذلك مزيدا من البؤس على حياة هذا المجتمع المبتلى وكأنه في جهنم، ان ندرة مياه الري في الانبار خاصة هي مشكلة هذا الاقليم.
ويقول وزير الري د.عبدالله الراشد لطيف ان الحكومة العراقية حفرت أكثر من ألف بئر خلال السنتين الماضيتين مستفيدة من المخزونات الجيدة للمياه الجوفية، الا ان الاستمرار في هذا العمل في منطقة تشهد نضوبا سريعا للمياه يبدو أمرا مكلفا وقال الوزير ان لديهم الان ما لايزيد على خمس ذلك المخزون لكن المشكلة ان المياه لا يتم تعويضها عن طريق الامطار حاليا.
أرقام مقلقة
الارقام الخاصة بالمخزونات المائية في الاراضي العراقية مدعاة للقلق فالتقديرات الحكومية تشيرالى أن هذه الكميات تعادل تسعة في المئة من مجمل الامطارالهاطلة في موسم الامطار وخلال السنتين الماضيتين كانت كميات الامطار المتساقطة اقل بنسبة 70 في المئة من المألوف في أكثرية الاقاليم الثمانية عشرة في البلاد ومثل هذا ايضا كانت مياه الذوبان من الثلوج المتراكمة على جبال زاغروس في اقليم كردستان في الشمال العراقي والتي تغذي نهر دجلة.
في الوقت الحالي هناك سبعة سدود مقامة على نهر الفرات في تركيا وسورية، وقد يأتي سد ثامن أيضا زد على هذا عدم كفاءة في شبكة الاقنية القديمة للري في العراق البالغ طولها أكثر من ثمانية آلاف ميل، وتمثل قنوات التصريف التي تنقل ملايين الغالونات من المياه المتدفقة عبر أطراف البلاد والتي أصبحت غير صالحة للاحتفاظ بالمياه، لكن لاحيلة لايقافها وفي هذه الأجواء بعض الناس ردوا المشكلة الى العناية الالهية لتفسير نقص كميات الامطار ويبدو الناس قريبين من تصديق الخرافات كذلك فان بعض العراقيين من سنة الانبار حتى أفراد القبائل في الاهوار يعتقدون ان نقص الامطارهو ضرب العقوبة التي فرضها الله تعالى على عباده بسبب كثرة الشطط الطائفي الذي مزق البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، وقد سمعنا ذلك من صديقنا عودة الذي قال ان البلاد عانت كثيرا من قلة الامطار، وهو أمرسيتكرر على الدوام وكان ساعتئذ ينظر بعين المقارنة بين واقع المنطقة التي كانت مليئة بالسبخات فأصبحت جافة تماما.
وأضاف يقول انه حتى سنة 1991 لم تكن في مثل هذا السوء، اليوم لم يعد المطر ينزل بما يكفي ابدا لا شيء والماء المتبقي في هذه الشبكة المعقدة من القنوات المفضية الى الحوض الهائل لاتعدو ان تكون جيوباً او بركاً من الحمأة كلسية اللون الراكدة لاشيء يجري منه كما ان الاوز والبط هناك تقف في لامبالاة على الضفاف التي تطالها اشعة الشمس لأول مرة منذ عقود عديدة. وفي الوقت عينه ترتفع اعمدة الذباب متحلقة كهالات زحل حول الصهاريج العملاقة لمياه الشرب، التي نقل الماء اليها من مدينة الناصرية المجاورة. وعبر عصور طويلة كانت عيدان القصب تقف في شموخ هناك على ضفتي الحوض فاصبحت اليوم شاحبة ذابلة ولا حياة فيها.
في بدايات الخريف كان الرافدان الرئيسان لنهر الفرات يمثلان بنسبة 30 في المئة من مستواهما المعتاد، وقد اشارمرافقنا عودة الى نقطة تشير الى المستوى السابق للمياه عند اسفل الجسر الحديدي قائلا«هذه هي العلامة الدالة على مستوى الماء، مضيفا انه منذ فترة قصيرة فقط كانت هذه علامة مرتفعة لمستوى الماء وفي الوقت الحالي اصبح منسوب النهر اقل من العادة بأكثر من تسعة أقدام، واذ بدأنا نشعر برائحة زنخة نصحنا بان نأخذ نفسا عميقا لاننا مقابل مشهد للبيئة المتعفنة عند النهر.
كان هناك صيادان دخلا فيما تبقى من مياه ضحلة مع شبكتيهما لاصطياد ما امكن من سمك الكاري فعادت الشبكتان بما لا يزيد على 12 سمكة ليست اطول من عشرة بوصات.
وواضح ان الصيد لا يكفي لاطعام عوائلهما ولا مجال لبيع شيء منه. قبل سنتين كان الصيد وفيرا «صيد السمك هو مصدر رزقنا» قال الشيخ حميد في قرية ابارت الشمالية.كان الصيادون يصيدون السمك وطيورالماء واليوم لم يبق سوى القليل جدا من هذه الكائنات نحن نعيش هنا منذ سنوات بعيدة، في ذلك الكوخ.حتى الاقفاص البلاستيكية التي كانت تستخدم لنقل السمك على الجليد اصبحت الآن مرتعا للقطط والرمال.وكانت هنا أبقار جاموس فتمضي ايام الصيف مستمتعة تحت سطح الماء واليوم لاتجد ما يغطي جسدها منه سوى الطين ومع توقع ارتفاع درجة الحرارة لتبلغ ما بين 118 - 124 فهرنهايت بعد ايام سيكون كل شيء صعبا.نحن نحفرالآبار للحصول على ما يسد الرمق من المياه، مع ان هذه المنطقة هي الأكثر توفيرا للمياه في العراق واختتم الشيخ حميد «هذا ليس غضب الرب، انه فعل بني البشر».
بوصات قليلة فقط
خلال السنوات الست الماضية اقيم على نهر الفرات عدد من السدود الجديدة في الاراضي السورية والتركية، ذلك ترك العراق عرضة للمعاناة من شح مياه النهر رغم كل جهود الحكومة، الا ان نضال الطبقة السياسية لكسب الشرعية في ظروف حرب طائفية مزقت العراق حسب واقع انقسامات مجتمعه منذ القدم لا يجد متسعا من الوقت لمتابعة ابسط ضرورات الحياة. وقد تعهد رئيس الوزراء نوري المالكي بمفاتحة الدول المجاورة بشأن التأكيد على سيادة العراق وغيرها من قضايا، كقضية الحدود التي تحتاج إلى تأمين.
ويقول الدكتورراشد الذي ترأس ثلاثة وفود الى دمشق واسطنبول لاجراء مباحثات مائية انه عاد بكثير من الامل وان الدولتين المجاورتين تدركان اهمية العراق وضرورة مشاركته في تقرير مصيره ومستقبله الا انه لم يوقع اي اتفاقيات او معاهدات مع السوريين او الاتراك، ولكنه اصرعلى المطالبة بحق بلده في حصته من مياه النهر.
وتحويل مجرى الرافد الرئيس لدجلة (وهو نهر كارون) الذي يدخل الأراضي العراقية الى الشمال من البصرة أيضا يشكل مشكلة وكان نهر قارون يوفر كميات لا بأس بهاد من المياه لرفد نهر دجلة الذي ينتهي الى شط العرب.
وهناك كان بوسع الاهالي المحليين ان يستفيدوا من صيد السمك شمال منطقة الاهوار حيث تدفع مياه قارون القاذورات بعيدا.وقال د. راشد«هناك حوالي 13 بليون مترمكعب من المياه النقية سنويا تصل الى شط العرب.واليوم لم يعد يصل شيء منها وقد طلبنا من الايرانيين ان نجلس معاً لمناقشة هذا الامر لكنهم لم يردوا علينا«وفي اواخر اكتوبرالماضي حدث لقاء بين فنيين عراقيين ونظرائهم الايرانيين واوضحوا الصورة لهم عن وضع السكان في الجنوب وكلهم من الشيعة بتعبير وزيرالخارجية هوشيار زيباري الذي اضاف ان المهندسين الايرانيين راعهم هذا الواقع ووعدوا بان يناقشوا الامر مع السلطات الايرانية على امل التوصل الى حل.والآن حدثت بعض التجاذبات فيما يخص امواج المياه المالحة التي اصبحت تتسع شمالا. ذلك ادى الى نزوح ما يربو على ثلاثين ألف عراقي من اراضيهم التي ما عادت تصلح إلا لزراعة هامشية فقط.
ويبد ان المحيط البيئي وراء الحدود العراقية مهدد أيضا.وحتى الآن لم يقدم السوريون والاتراك سوى الوعود في هذا الامر وقليل من المياه بين حين وآخر. لكن د.راشد قال اننا بحاجة الى 500 متر مكعب من المياه في الثانية، مضيفا ان العراق يحصل على 350 مترا مكعبا في بعض الايام ولكن الكمية الثابتة هي 150 مترا وذلك خلال اغسطس، وكانوا وعدونا بضخ المزيد من مياه النهر لكن دون ان نحصل على شيء وفي الشهور التي اعقبت حديثه اعلن الاطراف الثلاثة العراق، سورية تركيا ثلاث مرات عن عملية دعم لضخ المياه من الفرات، الا انه حتى اواخر الخريف لم يحدث شيء جدي.
محطة الطاقة العملاقة بمدينة الناصرية كانت ماتزال تعمل على اثنين من عنفاتها الاربع التي تديرها عادة مياه الفرات احدى هذه العنفات مكسورة ولكن يستحيل استخدامها حتى لو لم تكن كذلك لانها مع العنفة الرابعة بحاجة الى قوة مائية لتدويرها، وهي قوة غير متوافرة. لذلك فان مدينة الناصرية تتوفر فيها الكهرباء ست ساعات يوميا وهذا الى حد ما هي حال بقية مدن العراق. وخلال الصيف والخريف كان المهندسون في تلك المحطة يأملون في الا ينزل منسوب النهر ثماني بوصات اخرى ويصل بذلك الى مستوى يجعل هذه المدينة وهي رابع اكبر المدن العراقية دون كهرباء ابدا.واخبرنا احد المهندسين بأنهم شاهدوا مستوى المياه يزيد سنتيمترا او اثنين تقريبا بعد كل يومين من الوعود التركية لكنه يعاود الى طبيعته فورا.وقال ايضا ان الارقام التي ابلغونا بها لم تتحقق على صعيد الواقع.
انعدام الهطولات
الاتراك والسوريون يشكون ايضا من نقص كميات الامطار كما هو الواقع في العراق في الماضي كانت الجبهات الهوائية التي تتشكل عند قبرص وتؤثر في سورية والاردن والعراق اصبحت نادرة في السنوات الثلاث الماضية، تماماً كحال الجبهات المنخفضة من الضغط الجوي الذي كان يجتاح تركيا قادما من البلقان والنجود الروسية. وقد درست خيارات تشكل السحب والاستمطار في الدول الأربع. ويتذكر الاردنيون خاصة موسم 1991 عندما حاولوا تشكيل السحب قرب قبرص. في تلك السنة هطل الثلج ست مرات وامتلأت العاصمة الاردنية عمان بالثلوج المتجمدة طوال اسابيع. كذلك تساقطت الثلوج في الصحاري العراقية وجبال زاغروس وادى ذوبان الثلوج الى فيضان نهر دجلة داخل بغداد. المنابع الواقعة في الاراضي التركية كفيلة باحداث مثل هذا الفيضان في النهر والعراق كبلد لمصب النهر في حاجة الى المياه حاجة شديدة لكنه لا يملك المال ولا الاهتمام للقيام بتجربة لتشكيل السحب.
اللافت للنظر انه حتى الأساليب التقليدية أصبحت عديمة النفع، والفترة بين يونيو وأغسطس من عام 2009 أجرت منظمة «يونسكو» بحثاً في مجال استجرار المياه من غدران طبيعية بالطرق التقليدية بشق قنوات عبر الصحراء بهدف توطين الأهالي وتأمين مياه الري في منطقة الأكراد الشمالية.الا ان النتائج التي حصلت عليها من هذا البحث لم تكن مشجعة في الشمال مع أنها كانت تتباهي تاريخيا بكثرة مصادر مياهها حتى أيام الشدة، وبينت الدراسة ان 70 في المئة من الأودية (المعروفة محلياً باسم كاريز) التي كانت تحمل المياه عام 2005 قد نضبت وهجرت ومن بين 683 قناة تمت دراستها وجد ان معظمها لا يعمل نظراً للاستخدام الجائر وسنوات الجفاف المتتالية وان 116 قناة فيها مياه.
وقالت الدراسة ان 36 ألف مواطن معرضون لخطر الانتقال من اماكنهم بينما عشرات الآلاف غيرهم قد هاجروا فعلاً.
ومع أن الأرقام التي تنشر في العراق هي من قبيل التخمين لكن هناك حقيقة واضحة وهي ان الأزمة المائية تؤدي الى حدوث هجرات بشرية وتنقلات عبر البلاد كما حل النظام محل الفوضى والحرب الأهلية.الآن يعود العراقيون الى ديارهم علما ان المدن تشهد موجات نزوح من الأرياف المضروبة بالجفاف ونقص كميات المياه اللازمة جدا لحياة الناس هكذا فقد نزح سكان الاهوار العرب بأعداد كبيرة، كما يقول محافظ الناصرية قصي العبادي، مضيفا ان هؤلاء هم من البدو المتنقلين في الاماكن وقت الشدة، ولكنني لم الاحظ انهم جاؤوا الى المدن مع قطعانهم كما يحدث الآن. وهؤلاء السكان النازحين من أراضي الأجداد يتجمعون في مجموعات عند منعطفات الشوارع داخل الناصرية بحثاً عن العمل ويبدون محبطين جداً.
كذلك فان القادمين من شط العرب الى الجنوب من منطقة الأهوار هم في حاجة الى اماكن يلوذون فيها. وتقدر المصادر الحكومية ان اكثر من ثلاثين ألف شخص هجروا اراضيهم ومصادر عيشهم من الزراعة. وهناك الآلاف ايضا يحيون حياة الضنك والفقر.
وفي حال لم تتغير حال دجلة وقارون ويحملان المياه لتلك المنطقة عند شط العرب فان ذلك سيؤدي الى تدمير البيئة المعتادة للمنطقة بشكل كامل.
من الناحية العملية تحدث ازمة المياه في جنوب العراق في أسوأ الظروف بالنسبة لرئيس الوزراء نوري المالكي، الذي أمضى أكثر أوقاته وجهده في رئاسة الوزراء في محاولة لكسب أصوات الناخبين.وهو يعتمد في برنامجه الانتخابي للمستقبل على تأمين الأمن للمواطنين بالدرجة الأولى ومن ثم الاستقرار وتأمين الخدمات. والى الآن استطاع المالكي ان يحصل على موافقة شعبية على مسألتي الأمن والاستقرار في حين يبدو تأمين الخدمات مرهوناً بالفشل الذريع.
في أواخر اكتوبر الماضي جاءت اولى بوادر الخير مع هزيم الرعد المفاجئ والمصحوب بالبرق، بعد ان بلغ قطاع الطاقة في العراق درجة محرجة جدا، وقد هطلت الأمطار على مدى ثماني ساعات. ولكن المشكلة تكمن في انقطاع التيار الكهربائي، حتى لو لم تهطل الأمطار ولا تهب العواصف حاملة معها نذر الشر المتمثل في الغبار والأتربة المقلقة في العاصمة فالتيار لا يؤمن لاكثر من نصف عدد ساعات اليوم، ليستكمل السكان ايامهم على ما يحصلون عليه من طاقة الفحم لتشغيل معامل التوليد الفرعية وما يزيد الامور سوءاً ان المسلحين يستهدفون عادة هذه المرافق المتناثرة هنا وهناك، لتنفيذ ما وعدوا به من اعادة المجتمع العراقي (حرفيا) الى عصر الظلام واذا فشلت الحكومة الحالية في تأمين الخدمات الضرورية للعراقيين لاسيما الكهرباء والماء وشبكات الصرف الصحي فقد يكون هذا مضطرا له ولرئيس الوزراء تحديداً والمياه في مقدمة الجميع.
كثير من اللوم
منذ زمن بعيد شهدت المنطقة حروبا عدة لاسباب اقل وجاهة من هذه، وفيما يخص نقص المياه يقول الاتراك ان العراقيين هم غالباً الملومون على الرغم من تعاطفهم مع هذا الشعب المبتلى بالكوارث ولومهم غالبا ما يوجهونه الى الاجراءات البيروقراطية في العراق والتي لم تقدم سوى القليل جداً للمحافظة على هذه الثروة الطبيعية وحمايتها ضد سوء الادارة وكثيراً ما يشاهد الماء يتفجر من الانابيب الرئيسة في ضواحي بغداد او خارجها على الطرقات الريفية لتختلط بالقاذورات والزيوت النفطية متحولة الى برك من الحمأة المنفرة وقلما تجد حنفية في المرافق العامة صالحة ولا تسرب الماء، ناهيك عن انعدام الوعي البيئي تقريبا.
الحكومة التركية لا تتحدث كثيراً عن نزاعها مع العراق حول المياه مكتفية بالتحادث مع سورية وايران لمعالجة الوضع الناشئ، كما وافقت على مشاركتها في المعلومات الفنية مع الجانبين بهذا الخصوص، وقد امكن لها ارسال كميات هائلة من المياه عبر مجرى الفرات عقب فيضان تكرر مرتين قريباً من اسطنبول، ثم اوقفتها بسرعة وتشير الروايات الى معضلة لدى العراقيين باستيعاب تلك الكمية دفعة واحدة اذ ان على بغداد ان تتصرف بسرعة فيما يتعلق بالمياه التي تصلها وهي تعتزم طرح موضوع حقها في حصته من مياه الفرات امام القضاء الدولي، الا انها حيال كل المصائب الداخلية التي تواجهها لا تجد متسعاً من الوقت لذلك.
ان سياسية التخدير ليست مناسبة للعراقيين في اماكن نائية في الجنوب، هناك في اهوار العقيرية ترك عودة خصاف قاربه الذي كان يستخدمه في مياه الاهوار، وهو يقول ان الاشهر الستة الماضية قد غيرت كل شيء، ولو ان الاتراك سمحوا لمياه الفرات بالوصول فان الاهوار ستمتلئ ثانية بالماء، لكن هذا لن يحدث، فالاتراك اقوى منا ونحن الضعفاء، لذلك لا حيلة لنا سوى الانتظار، الى ان يحدث فيضان من عند الله لانهم غير جادين في مساعدتنا ولو نظرت اليهم لوجدتهم يسعون من اجل بناء سد جديد في اراضيهم والى ان نصبح اقوياء سيبقون كذلك «اما الآن» فتبقى جملته غير مكتملة ومعلقة وكأنما سيعود الى فكرته الاولى بان كل شيء هو بمعونة الله تعالى.
وعلى المدى القصير سيتضح ان العناية الالهية هي افضل ما ينتظره العراقيون، اما الاداة لمناقشة الادارة العراقية بشكل فعال فيبدو انه اصبح قديماً، وفي هذا البلد تبدو البنية التحتية متآكلة تماماً وكأنها تنتمي الى القرن التاسع عشر، وقد يستغرق تجديد شبكة عبر البلاد سنوات طويلة جدا وقد طرحت مسألة تحلية مياه البحر للمناقشة في اجتماعات مجلس الوزراء كما تقدم مستثمرون كثيرون باقتراح مشروعات بأموال خليجية لديها مثل هذه التقنية لكن الكلفة كانت باهظة في نظر الحكومة العراقية احد الوزراء قال ان ذلك قد يكون مجديا في بلد صغير مثل ابوظبي، حيث لايزيد طول انابيب الشبكة عن بضعة آلاف كيلومترات وليس في العراق الشاسع.
مشكلات العولمة
عكست الازمة الحادثة عام 2009 في العراق مظاهر العجز التي يتعين على الفلاحين العراقيين النضال للتغلب عليها لقد تمكن البائعون بالجملة من استيراد وتوزيع منتجات جديدة بأسعار السوق وهي اسعار منافسة تماماً للاسعار التي كان سيدفعها المستهلك لشراء منتجات وطنية، كان من بين المواد المستوردة مئات اطنان الموز الصومالي والبطيخ الايراني والارز من دول اسيا الشرقية، الى جانب المياه المعبأة من السعودية ودول الخليج، وتلعب مشكلات نقص المياه دوراً كبيراً في تحويل العراق الى مستورد فعلي لمثل تلك المواد الا ان هذا ما يحدث لكثير من المواد البديلة التي تقحمها الشركات المستوردة من الاسواق الخارجية، سواء من بلدان العالم الثالث او دول الغرب حيث يتنافس الجميع لتوفير الخدمات لمجتمع يتجاوز عدد سكانه عشرين مليون انسان كانوا في أغلبيتهم يعتمدون على المنتجات المحلية في حياتهم اليومية.
اليوم مشكلة المياه تلعب دوراً محبطا فالجيوب الصغيرة التي بقيت من حوض الفرات تبدو لاعلاقة لها مباشرة مع تحول اقليم الانبار الاستراتيجي الى فجوة مفتوحة من الارض المليئة بالاتربة وهذا ما يحدث ايضاً في اقليم ديالى الى الشمال من بغداد وبعد ان كانت اراضيه درة الانتاج بسبب خصوبة تربتها، والان كلا هذين الاقليمين يعتبر مرتعاً للمقاتلين.ويعرف اقليم الانبار بانه مثلث الموت، بينما اعلن هؤلاء عن قيام امارة اسلامية في ديالى خلال العام 2006.
وكانت حكومة المالكي تأمل في السيطرة على الفتنة هناك مقابل توفير الرخاء للسكان ولكن يبدو ان كل شيء يغرق في الوهم بعد ثلاث سنوات على تلك الاحداث، وها هي دخول العائلات العراقية تتردى في مختلف مناحي الحياة، كذلك فإن العنف الذي تمت السيطرة عليه في السنتين الماضيتين اخذ يطل برأسه مجدداً لاسيما في الانبار.
خلال السنوات الخمس الماضية كانت محافظات العراق وبعض اكثر المدن خطراً فيها محل تركيز للمجموعات الاميركية المكلفة باعادة البناء، وخاصة وحدة المهندسين العسكريين، تلك التي غيرت توجهها في اكتوبر الماضي، هكذا ارتحلت هذه الوحدات مدعية ان 21.2 مليون عراقي اصبحوا قادرين حاليا على تأمين كفايتهم من مياه الشرب، بعد ان كان عددهم قبل الاحتلال الاميركي للعراق بحدود خمسة ملايين عراقي في السنة الفائتة قامت الوحدات العسكرية ببناء مصنع لمعالجة مياه دجلة وتنقيتها في حي مدينة الصدر المكتظ الى الشمال الشرقي من بغداد.
الا ان الحصيلة النهائية، على حد زعم الجيش الاميركي، كانت زيادة ما بين 46 و200 ليتر لكل شخص يومياً لسكان هذا الحي، وبلغت تكاليف هذا المشروع 65 مليون دولار.
وما تم فعله من قبل المهندسين هو استكمال 25 مشروعاً لتوزيع المياه عبر البلاد، اضافة الى 800 مشروع اصغر منها في مجال المياه من شأنها تأمين مياه صالحة للشرب للعراقيين الذين كانوا محرومين في نظام صدام سابقاً من هذه النعمة والان ارتحل المهندسون، ومعهم انتهت امكان قيام الاميركيين بتقديم اي شيء اخر مفيد للعراق وذلك قبل ان يأمر البيت الابيض قواته بالعودة الى بلادهم في اواخر السنة المقبلة.
لاشك في ان توزيع المياه الى المستوى الاصغر افضل تخبطاً في بحيرة كبيرة، ويجب الا ننسى ان في الاراضي العراقية بحيرات داخلية هائلة الحجم من مصادر غنية اخرى غير الماء والثروة النفطية وهي كفيلة بتأمين مستقبل جيد للعراقيين كونه يدر مدخولاً كبيراً لهم، ويقيهم غائلة الحاجة.فالنفط يشكل بطاقة عبور ثمينة للعراق نحو المستقبل وهو يكفل امن العراق ضد الجفاف والعجز الجيوسياسي.
خلال الاشهرالستة الماضية انشغلت الحكومة العراقية في العثور على صيغة توافر للمستثمرين الاجانب ما يكفي من حوافز تدفعهم الى استقدام وتوظيف خبراتهم في العراق، مع الحفاظ في الوقت عينه على امكان السيطرة على القطاع النفطي وبلايين الدولارات التي تنتج منه الا انه في حين قد تبدو هذه الثروة الواعدة كفيلة باعادة تدفق المياه في الاراضي العراقية مرة ثانية ولاسيما في جنوبه الذي يعاني حاليا من الجفاف فاننا نلاحظ ان ثمة مخططا جديدا اخذ في التشكل في مجال العمل التجاري.
على الطريق الواصل من بغداد الى البصرة وهو طريق زود بمسارات في عهد صدام لنقل الدبابات والجنود يتبلور الآن مشروع زراعي نادر النجاح، خلال العامين 2005 و2006 كان السفر على هذا الطريق خطرا للغاية، حيث لا يعرف المسافر من اين يأتيه وابل الرصاص او القذائف من الحاقدين على كل شيء، حيث استمر هذا الوضع حتى منتصف العام 2008. وحتى ذلك التاريخ كانت جوانب الطريق تغص بالدبابات والآليات المحترقة وهياكل سيارات «همر» الاميركية هنا وهناك، وغيرها من الآليات الثقيلة التي كانت تستخدمها شركات الامن الخاصة، والى يومنا هذا لايزال الكثير منها يفقد على الطريق الى البصرة، ليضاف الى ما فعلته الغارات الجوية وقذائف الصواريخ في تلك الاماكن من حرائق تجعل الناظر اليها يشعر بأن تلك الاراضي اصبحت يبابا ولا نفع فيها.
ولكن في العراق كانت هناك منذ زمن بعيد صناعة الملح خصوصا في المنطقة الوسطى عند مدينتي بابل والنجف، ومع الجفاف الذي اصاب المنطقة بما فيها من سنجات مائية ومستنقعات هناك اليوم مجموعة من المشاريع الصغيرة التي سترى النور.
لهذا فان تلالاً من الملح اخذت في التشكل واصبحت تحجب الافق عن اعين الناظرين وكان تلك المساحات المائية التي كانت تبدو بلا نهاية، هناك بالضبط قام احد المزارعين ببيع قطيع الماعز الذي كان عنده واخذ يلتفت الى استثمار الملح في المنطقة وقد اخبرنا انه يمتلك اكثر من 190 كيلوغراما في الكومة التي كانت امامه والتي كان يشير اليها واضاف ان هذه الكمية من الملح ستعود عليه بارباح اكثر مما كان يجني من التمر في هذه السنة وقد يكون هذا بابا لثراء جديد للكثيرين تعويضا عن المياه الضائعة.
والملح الذي يتم تجميعه ينقل الى السوق في بغداد حيث تنشط الان صناعة اولية له ومن ثم تصديره الى الخارج وهكذا فان العراقيين في انتظار ان يبدأ مجددا استثمارالنفط كما يجب ان يكون الاستثمار وريثما يوافق الآخرون في دول الجوار على تسييل المياه بغزارة في نهر الفرات لاحياء الاراضي العراقية، الى ذلك الحين ستصبح حكاية استثمار الملح ربما قصة نجاح جديدة للثروة المائية المفقودة في العراق المعذب.
دجلة والفرات سيختفيان من العراق في 2040
كشف تقريران اعدتهما منظمات دولية متخصصة ان العراق سيخسر واردات نهري الفرات ودجلة بالكامل بحلول عام 2040. وأوضح مصدر مسؤول في وزارة الموارد المائية العراقية أن التقرير المعد من قبل «المنظمة الدولية للبحوث» تحدث عن «تناقص حاد» بالحصص المائية الواصلة ضمن حوض نهر الفرات التي ستصل الى 32 بليوناً و140 مليون متر مكعب في الثانية بحلول عام 2040 مقابل احتياجات العراق التي ستبلغ حينها 23 بليون متر مكعب اما حاجة كل من سورية وتركيا فستصل الى 30 بليون متر مكعب منوها بان الواردات النهائية للنهر لن تكفي لتغطية الاحتياجات الكلية لها، الامر الذي يؤدي الى خسارة العراق موارد النهر بالكامل.
وقالت صحيفة «الصباح» العراقية الحكومية ان واردات نهر الفرات الحالية ضمن اخر رصد لمحطة حصيبة الحدودية بين سورية والعراق بلغت خمسة بلايين و700 مليون متر مكعب وهي تمثل نسبة 42 في المئة من المعدل العام بعد اكمال سد «اتاتورك» في تركيا ضمن مشروع «الغاب» الهادف لتشييد 22 سدا على حوضي دجلة والفرات.
ونوه المصدر بأن «منظمة المياه الاوروبية» توقعت جفاف نهر دجلة بالكامل في ذات التاريخ حيث يفقد النهر سنويا ما يعادل 33 بليون متر مكعب من مياهه، بسبب «السياسة المائية الحالية التي تتبعها تركيا» بالتالي فإن العراق وفي حال عدم تمكنه من إتمام اتفاقات دولية تضمن حصصه المائية بشكل كامل، فأن العراق مقبل على ما أسماه بـ «كارثة حقيقية، ستلحق بملايين الدونمات الزراعية في البلاد، وهو ما يعني تحول العراق لجزء من صحراء البادية الغربية خلال مدة لن تتجاوز الخمسة وثلاثين عاما المقبلة.
يشار الى ان واردات نهري «دجلة» و«الزاب الاعلى» المسجلة للعام الحالي سجلت 12 بليوناً و940 مليون متر مكعب وتمثل نسبة 55 في المئة من المعدل العام. وكانت حالة الجفاف قد استفحلت خلال العامين الماضيين بجميع محافظات العراق بسبب سوء استعمال المياه في السقي وقلة الواردات المائية لحوضي دجلة والفرات اللذين يعانيان أصلا من إنخفاض حصصهما بنسب بلغت الثلثين على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، فيما بلغت كمية التراجع المسجلة للعام الحالي 55 بالمئة عن معدلها العام، اذ بلغ إجمالي كميات المياه الواردة لأنهر دجلة والفرات والزاب الاعلى والاسفل وديالى والعظيم حتى الان 21 بليوناً و400 مليون متر مكعب.
وكانت وزارة الموارد المائية العراقية حذرت نهاية العام الماضي من ان سد «اليسو» ضمن مشروع «الغاب» الهادف لتشييد 22 سدا بسعة تخزين تتجاوز100 بليون متر مكعب سيحرم العراق من ثلث مساحة أراضيه الصالحة للزراعة بالتالي سيدفع بآلاف الفلاحين الى ترك مهنهم الزراعية والاتجاه الى المدن في هجرة معاكسة فضلا عن تسببه بنقص الحصص المائية التي تؤثر سلبا في مجالات مياه الشرب وتوليد الطاقة والصناعة وبدرجة كبيرة في إنعاش الاهوار والبيئة اذ انه بعد إكمال سد «أليسو» ستتم المباشرة بسد «جزرة» ما سيؤدي الى تحويل جميع كميات المياه الى الاراضي الزراعية التركية قبل عبورها الحدود التركية- العراقية الا من كمية لا تتجاوز 211 مترا مكعبا من المياه التي وصفت بأنها ستكون بدرجة ملوحة عالية التركيز ستتضاعف خلال مرور المياه بحوضه في المناطق الجنوبية التي تعاني أصلا من ارتفاعها خلال السنوات الماضية.
وتقدر حاجة العراق السنوية من المياه بـ50 بليون متر مكعب 60 في المئة منها من نهر دجلة والباقي من نهر الفرات فضلا عن طاقة خزن فيه للسدود والخزانات والنواظم تقرب من 149 بليون متر مكعب في حين يتوقع أن تبلغ الاحتياجات المائية له حتى عام 2015 ما يقرب من 77 بليون متر مكعب مقابل انخفاض بالواردات لتبلغ أقل من 43 بليون متر مكعب سنويا.
وورلد بوليسي ريفيو