- الجوار: يرى ابن تيمية أن جميع ما ورد في الصفات من الآيات والأحاديث يجب أن تفهم على ظاهرها وما يؤديه اللفظ من معنى . بلا تأويل . .
وعلى هذا قال : إن الله تعالى في جهة واحدة هي جهة الفوق ، وهو في السماء مستو على العرش وقد امتلأ به العرش فما يفضل منه أربعة أصابع ،
إنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يعود ، وإن له أعضاء وجوارح من أعين وأيدي وأرجل وغاية ما في الأمر أنها لا تشبه جوارح البشر وسائر
لمخلوقات ! ! ( الحموية الكبرى : 15 ، التفسير الكبير 2 : 249 - 250 منهاج السنة 1 : 250 ، 260 - 261 )
ويقول : والذين يؤولون المعنى أولئك ما قدروا الله حق قدره ، وما عرفوه حق معرفته . ( التفسير الكبير 1 : 270 )
والبرهان الذي يقدمه ابن تيمية على عقيدته هذه زعمه أنها عقيدة السلف من الصحابة والتابعين ، فيقول : قد
طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة ، وما رووه من الحديث ، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار ، أكثر من مئة تفسير ، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف .
( تفسير سورة النور لابن تيمية : 178 )
فسرت هذه الكلمة بين مقلديه والمغرمين به سريان الريح من غير أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر في كتب التفسير التي نقلت كلام الصحابة في آيات الصفات ، ولو تفسير واحد من التفاسير التي أثنى عليها ابن تيمية ، كتفسير الطبري والبغوي وابن عطية .
فهذه التفاسير وغيرها مشحونة بما جاء عن الصحابة والتابعين في تأويل آيات الصفات بعيدا عن التجسيم الذي يقول به ابن تيمية والحشوية .
انظر مثلا تفسير آية الكرسي ، فقد نقل الطبري عن ابن عباس أن كرسيه يعني علمه ، واستشهد لذلك بكلام العرب في هذا المعنى .
وهو الذي نقله البغوي ونقله الشوكاني عن ابن عطية ونقله القرطبي وغيرهم أيضا .
وانظر تفسير الآيات التي فيها ذكر الوجه فلا تجد في هذه التفاسير كلمة واحدة تدل على عقيدة ابن تيمية وتشهد لقوله ، بل كل ما فيها مما هو منقول عن السلف يشهد على ضده . .
ففي قوله تعالى : * ( كل شئ هالك إلا وجهه ) * . ( القصص : 88 ) قالوا : أي إلا هو . .
وكذلك في قوله تعالى : * ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) * . ( الرحمن : 27 )
وفي سائر الآيات الأخرى : * ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) * .
( البقرة : 272 )
* ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) * . ( الرعد : 22 )
* ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله ) * . ( الروم : 38 )
* ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ) * . ( الروم : 39 )
* ( إنما نطعمكم لوجه الله ) * . ( الدهر : 9 )
* ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) * . ( الليل : 20 )
في هذه الآيات جميعا فسروا الوجه بالثواب . ولم يرد عن أحد ولا كلمة واحدة تفيد المعنى الذي يريده ابن تيمية من ظاهر اللفظ ، أي أن الوجه هو هذه الجارحة المعروفة من
الجوارح كما للإنسان ! !
أما قوله تعالى : * ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) * فقد أقر ابن تيمية بأن السلف قد أولوا الوجه هنا ، فقالوا إن المراد به الجهة ، لكنه جعل هذه الآية ليست من آيات الصفات . ( العقود الدرية : 248 ) هكذا مع الآيات التي فيها ذكر العين والأيدي .
وهكذا نسب إلى الصحابة والسلف ما لم يقولوا به بل قالوا بعكسه تماما ، تبريرا لمذهبه ! ورغم ذلك فإنه لم يستطع في كل ما كتب أن يأتي بكلمة واحدة عن واحد من الصحابة تشهد لقوله ! !
من كلامه في التجسيم : وله في التجسيم كلام صريح كان يقوله في خطبه ، لكنه لم يذكره بنصه في كتبه التي وصلتنا ، فمن ذلك :
أ - ما نقله ابن بطوطة وابن حجر العسقلاني ، أنه قال وهو على المنبر : إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا .
( رحلة ابن بطوطة : 95 ، الدرر الكامنة 1 : 154 )
ب - ما نقله أبو حيان في تفسيريه ( البحر المحيط ) و ( النهر ) من أنه قرأ في ( كتاب العرش ) لابن تيمية ما صورته بخطه : إن الله تعالى يجلس على الكرسي ، وقد أخلى مكانا يقعد معه فيه رسول الله .
ولكن هذا الكلام الذي نقله يوسف النبهاني في ( شواهد الحق : 130 ) عن كتاب ( النهر ) لأبي حيان ، ونقله صاحب كشف الظنون في كتابه
( كشف الظنون 2 : 1438 ) قد حذف من كتاب ( النهر ) المطبوع ، كما حذف غيره من الكلام الذي تناول فيه عقائد ابن تيمية ! ولكن ابن تيمية قد دافع عن هذا المعنى بإصرار من غير أن يذكر جلوس النبي معه على العرش ، وذلك في كتابه ( منهاج السنة 1 : 260 - 261 )
ج - قوله : رفع اليدين في الدعاء دليل على أن الله تعالى في جهة العلو . ( الحموية الكبرى : 94 ، شرح حديث النزول : 59 ) ترى إذا توجه المصلي نحو القبلة وقال : * ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) *
فهل يستدل من هذا على أنه تعالى شأنه في جهة القبلة ؟ سبحانه وتعالى عما يصفون .